شاهد عيان حلب | هل العدالة صعبة المنال في سوريا رغم الكم الهائل من المجازر الموثقة؟ هل العدالة صعبة المنال في سوريا رغم الكم الهائل من المجازر الموثقة؟ || شاهد عيان حلب

هل العدالة صعبة المنال في سوريا رغم الكم الهائل من المجازر الموثقة؟

تقارير

هل العدالة صعبة المنال في سوريا رغم الكم الهائل من المجازر الموثقة؟
مترجم

رغم الكم الهائل من الوثائق المسربة من حكومة نظام الأسد، والتي تثبت جرائم الحرب التي ارتكبها منذ اندلاع الثورة السورية في 2011، إلا أن ذلك لم يحقق العدالة، إذ ما زال الأشخاص الذين يقفون خلف هذه المجازر طلقاء، ولا طريق واضح حتى الآن، لتقديم معظم هذه الأدلة أمام أي محكمة في أي مكان.

هكذا استهلت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالها الذي نشرته في 15 نيسان الجاري، وقامت شاهد عيان حلب بترجمته كاملًا.

إحدى المنظمات الأوروبية حصلت على ثلاثة أطنان من الوثائق المسربة من حكومة نظام الأسد، إذ سرب مصور من الشرطة العسكرية التابعة للنظام، بعد انشقاقه وهروبه من سوريا، صورًا لأكثر من ستة آلاف قتيل على أيدي نظام الأسد، تعرض معظهم للتعذيب حتى الموت، فيما كسرت الهواتف الذكية حواجز الخوف والحرب، لتسجل وتوثق الجرائم مباشرة.

ووثقت منظمات حقوقية مقتل أكثر من 400 ألف شخص، ونزوح نصف سكان البلاد، منذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من ست سنوات، فيما بلغ عدد المفقودين أكثر من 100 ألف.

ويتعرض عشرات الآلاف للاعتقال في سجون نظام الأسد، ضمن ظروف صعبة من التعذيب والضرب والاكتظاظ الشديد، ووصفتها لجنة تابعة للأمم المتحدة أنها بلغت مرحلة "الإبادة"، وأدرجتها تحت بند "الجرائم ضد الإنسانية".

ورغم هذا الكم من المجازر، إلا أن قضية واحدة فقط من جرائم الحرب المعلقة ضد المسؤولين السوريين قدمت في إسبانيا، بعد أن توفى رجل في أحد سجون نظام الأسد.

ولم توجه أي قضية حتى الآن إلى محكمة الجنايات الدولية، التي لم تنضم إليها سوريا بالأصل، ما يجعل البدء في إجراء التحقيقات أمرًا غير ممكن.

ويمكن لمجلس الأمن إحالة القضايا إلى محكمة الجنايات الدولية، لكن الجانب الروسي استخدم مرارًا حق النقض "الفيتو" لحماية سوريا من أي إدانة دولية، وحتى لو اتخذ مجلس الأمن الإجراءات اللازمة وتمت إحالة القضية، إلا أن اعتقال المسؤولين السوريين المقيمين في سوريا يعد أمرًا صعبًا للغاية.

الهجوم الكيماوي

تعرضت بلدة خان شيخون في ريف إدلب السورية في وقت سابق من الشهر الجاري، إلى هجوم كيماوي، أدى إلى مصرع أكثر من 80 شخصًا، ووجهت إدارة الولايات المتحدة الأمريكية الاتهام إلى قوات الأسد، استنادًا إلى بيانات الطلعة الجوية وغيرها من المعلومات.

وردًا على ذلك، قامت الولايات المتحدة بتوجيه ضربة إلى مطار الشعيرات في ريف حمص، بـ 59 صاروخ توماهوك، ووصف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشار الأسد بـ "الحيوان".

ويعد الهجوم الكيماوي الأخير مجرد جريمة أخيرة، بعد سنوات طويلة من التعذيب والإخفاء القسري، وحصار المدن، والقصف العشوائي على الأحياء والمشافي الميدانية.

وقالت المحامية ليلى العودات، الناشطة بحقوق الإنسان في "الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية"، إن جوهر أي حل أو مصالحة ممكنة في المستقبل "يجب أن يستند على تحقيق العدالة لمئات الآلاف من الضحايا وأسرهم، والتأكد من أن المستقبل سيكون خاليًا من هذه الانتهاكات."

وشهدت الحرب السورية انتهاكات من جميع الأطراف، تمثلت بقصف فصائل المعارضة لبعض الأحياء المدنية، وقيام المقاتلين في تنظيم "القاعدة" وتنظيم "داعش" بعمليات انتحارية وإعدام للسجناء، وتوثيق ذلك في تسجيلات مصورة نشرت على الانترنت.

لكن العدد الأكبر من الفظائع حتى الآن، نفذها نظام الأسد وحلفاؤه كما يقول المحققون، لأنهم يمارسون سلطة الدولة، بما في ذلك الجيش الرسمي وسلاح الجو، وفروع الأمن المختلفة، وشبكة السجون في جميع أنحاء سوريا.

ويصر نظام الأسد على اعتبار الأحداث في سوريا "مؤامرة دولية" لتدمير البلاد، واعتبار جميع المعارضة "مجموعات إرهابية" مدعومة من الخارج، عدا عن إنكاره استخدام الأسلحة الكيماوية وارتكاب الفظائع.

سنوات من الإفلات من العقوبة

بدأت الثورة السورية في آذار 2011، بعد قيام قوات الأمن في مدينة درعا، باحتجاز 12 صبيًا، عقب كتابة أحدهم على حائط المدرسة "إجاك الدور يا دكتور"، في إشارة إلى إسقاط الرئيس الأسد، طبيب العيون السابق، ضمن إطار الربيع العربي الذي أطاح بعدد من الرؤوساء العرب.

وتعرض هؤلاء الصبية بحسب إحدى الشهادات لصحيفة "التايمز" البريطانية، إلى الضرب والتعذيب والإجبار على التوقيع على اعترافات خطيرة.

انطلقت بعد ذلك المظاهرات في جميع أرجاء البلاد، ورافقها حملات اعتقال ضمن سياسة حكومية موجهة، وقام النظام بإصدار قرارت بحق عشرات آلاف المعتقلين في آن واحد، وقالت منظمة العفو الدولية أنه تم "إعدام الآلاف في قرار واحد في سجن صيدنايا قرب العاصمة دمشق".

وأدلى عشرات السجناء بتصريحات صحفية حول ظروف اعتقالهم في سجون الأسد لسنوات، منذ بداية الثورة، وتم توثيق عشرات الشهادات عن حالات اختفاء للأقارب، في سجون الأمن السوري.

وطالت الاعتقالات في سوريا جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إذ تم اعتقال يحيى ومعن الشربجي، وهما شقيقان، مع صديقهما غياث مطر، في أيلول 2011، بعد مظاهرات في مدينة داريا بضواحي العاصمة دمشق، علمًا أنهم كانوا جزءًا من تجمع طلابي سلمي، طالب بالعمل من أجل التغيير السلمي.

وعادت جثة غياث مطر إلى أسرته مع وجود علامات تعذيب، في حين لم يشاهد الأخوة شربجي منذ ذلك الحين.

وفي أيلول 2012، اختفى عبد العزيز الخير، وهو سياسي يساري، برفقة ماهر طحان، أثناء مغادرته مطار دمشق الدولي متجهًا للمشاركة في مؤتمر للمعارضة بالخارج.

وما يزال نحو 100 ألف سوري محتجزين أو مفقودين، ما يؤثر على حياة نحو مليون سوري من عائلاتهم، ذلك أن غياب الرجال يؤثر مباشرة على العائلة بعد أن تفقد معيلها.

وقالت ساريتا أشراف، عضوة في لجنة للأمم المتحدة، إنه من النادر "أن تلتقي بأسرة لاجئة سورية لا يوجد فيها شخص محتجز أو مختفٍ، ومن النادر أيضًا أن تعثر على معتقل سابق لم يتعرض للتعذيب".

المحامي "ك - ك" والذي رفض ذكر اسمه، اعتقل في 2014، بعد عامين من مشاركته في المظاهرات بحلب، وكان يدافع عن المحتجزين في أفرع الأمن، وينتقد نظام المحاكم الذي ينهي المحاكمات خلال دقائق، ولا يمنح المحامين إمكانية الوصول إلى موكليهم وتفنيد الأدلة المفترضة ضدهم.

ووصف المحامي محنته التي استمرت ثمانية أشهر، بأنها تتلخص بالضرب اليومي، ووضعه طوال ثلاثة أشهر في مكان ضيق جدًا، لدرجة لا تمكنه من الاستلقاء.

وفي إحدى استجواباته الأولى، أجبر على إحصاء الضربات التي تعرض لها، ووصلت إلى 80 ضربة، إلى جانب وضع الرأس في المياه الباردة والتعليق لساعات من المعصمين، كما رأى أحد المحتجزين يتعرض للحرق بمادة الكيروسين، ما أدى إلى وفاته بعد 20 يومًا دون علاج.

واستمر تعذيبه حتى وقّع على اعتراف بتمويل للإرهاب، وهو أمر عار تمامًا عن الصحة.

ويعمل المحامي "ك - ك" الآن مع بعض المحامين والمعتقلين السابقين، في تجميع قوائم للضحايا، على أمل أن يُحدث توثيقهم فرقًا في يوم من الأيام.

جرائم حرب أخرى تحدث على مرأى ومسمع العالم

بحلول عام 2013، أصبح قصف الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة بالمدفعية والطائرات الحربية والمروحية أمرًا روتينيًا، وأظهرت مئات التسجيلات عمليات القصف والإصابات لآلاف المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء.

ويعيش مئات آلاف السوريين تحت حصار قوات الأسد، التي رفضت مرارًا وتكرارًا إدخال الغذاء والمواد الطبية، وفقًا للأمم المتحدة، كما أدت الهجمات الكيماوية التي وقعت في الغوطة الشرقية، في 2013، إلى مقتل 1400 شخص.

وشهدت الحرب في سوريا استهدافًا ممنهجًا للمرافق الطبية، إذ قتل ما يقارب 800 شخص من العاملين في المجال الطبي، يتحمل نظام الأسد 90 بالمئة منها، وفقًا لدراسة أجرتها منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان".

ومنذ الهجوم الكيماوي الذي وقع الشهر الجاري، أفاد السكان المحليون بوقوع عدة هجمات بأسلحة حارقة في إدلب وريف حماة، وتم رفع مقاطع فيديو تظهر حرائق بالفوسفور الأبيض، وتسبب هذه الأسلحة حروقًا شديدة، ويحظر استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان.

ويروي أبو علي الحموي، وهو رجل سوري تعرض لأربع عمليات اعتقال بتهمة إدخال المساعدات الإنسانية للمتظاهرين الجرحى، تجربته، رافضًا الإفصاح عن إسمه الكامل، خوفًا على والدته التي ما زالت تعيش في مناطق سيطرة الأسد.

وقال الحموي في إشارة إلى جرائم الحرب في سوريا "لا تحتاج البلدان إلى هذه الأدلة، فهي تعرف بالفعل ما يحدث، ونحن بيادق على رقعة الشطرنج، ولدي صديقات نساء احتجزن واغتصبن وحملن في سجون النظام"، وأضاف "ليس هناك عدالة، وبالتالي ليس هناك أمل".

خطوات محدودة نحو العدالة

ومع استمرار الحرب، تقوم مجموعات من الناشطين والمحامين في داخل سوريا وخارجها، بتوثيق الفظائع والانتهاكات، على أمل أن يحاسب الجناة يومًا.

وبدأ بالفعل عدد من المدعين العاملين في جرائم الحرب، بتجميع قوائم القتلى والفيديوهات المنتشرة في أعقاب عمليات القصف، بغية رفع قضايا ضد الأسد وغيره من المسؤولين في نظامه.

الجهد الأكثر منهجية هو من قبل لجنة "العدالة والمساءلة الدولية"، وهي مجموعة غير ربحية، قضت سنوات في تجميع وثائق حكومة الأسد المسربة من سوريا.

وقال ويليام وايلي، المدير التنفيذي للمجموعة، إن المجموعة التي تمولها الحكومات الغربية، تمتلك الآن أكثر من 750 ألف وثيقة حكومية سورية، تحتوي على مئات الآلاف من الأسماء، بما فيها أسماء كبار اللاعبين في الأجهزة الأمنية بسوريا.

وأشار وايلي إلى أن المجموعة أعدت حتى الآن ثماني مذكرات تفصيلية، ضد مسؤولين أمنيين ومخابرات سوريين، سبعة منها تُورط الأسد مباشرة.

وأضاف عبر سكايب "من الواضح أن الرئيس الأسد يحتل مكانة بارزة في بعض ملفات القضية"، مؤكدًا أن "البنية التحتية الأمنية للجيش والاستخبارات بكاملها تظهر الآن فى واحدة أو أكثر من مذكرات الادعاء".

وتعزز هذه الجهود أكثر من 50 ألف صورة تم تهريبها من سوريا، في 2013، من قبل مصور الشرطة المعروف باسم "القيصر"، وتعرض جثث آلاف القتلى من المحتجزين داخل فروع الأمن.

وتم التحقق من الصور المسربة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، واحتوت على صور لـ 6 آلاف و700 شخص، وفقًا لـ ستيفن ج. راب، الذي شغل منصب السفير بصفة عامة، لجرائم الحرب خلال إدارة أوباما.

وتم التعرف على أكثر من 700 شخص في الصور بالاسم، وأدت إحدى تلك الصور إلى اتخاذ إجراءات قانونية ملموسة ضد المسؤولين السوريين.

وفي عام 2014، تلقت أمل الحاج حمدو أنفاليس، مصففة شعر إسبانية سورية، رسالة نصية من أختها تحتوي على صورة لجثة شاهدتها على "الفيسبوك"، وتعرفت على الفور على شقيقها، وهو سائق شاحنة اختفى عند نقطة تفتيش تابعة لقوات الأسد قبل عام.

وقالت عبر الهاتف من مدريد "بمجرد أن رأيت ذلك، انهرت تمامًا وأطفالي يتساءلون لماذا كنت أبكي، ولقد تعرفوا عليه على الفور، فقد نظروا إلى الصورة وقالوا هذا خالنا".

ووافق قاض إسباني على فتح تحقيق في إرهاب الدولة المزعوم، الشهر الماضي، متهمًا تسعة من مسؤولي الأمن والمخابرات السوريين، باستخدام المؤسسات الحكومية لارتكاب جرائم جماعية ضد المدنيين.

ومن بين المتهمين نائب الرئيس، فاروق الشرع، ورئيس مكتب الأمن القومي، علي مملوك، ورئيس المخابرات الجوية، الجنرال جميل الحسن، وكبار الضباط في السجن، الذي تعتقد السيدة حمدو أن شقيقها اعتقل وقتل فيه.

وتقوم مجموعات أخرى بإعداد قضايا أو دفع تحقيقات من قبل المحاكم المحلية في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وأماكن أخرى، ولكن حتى أولئك الذين يعملون في محاكمات جرائم الحرب، يواجهون حواجز كبيرة أثناء النزاع.

ويبدو أن الطريق إلى المحكمة الجنائية الدولية معوق، والمحاكم الأوروبية تواجه صعوبة في الوصول إلى المتهمين، لذا فإن سيناريو أفضل الحالات هو مذكرة دولية، يمكن أن تؤدي إلى اعتقال المشتبه بهم، إذا وضعوا أقدامهم في بلد مستعد للتعاون.

وقال كيفن جون هيلر، أستاذ القانون في جامعة سواس في جامعة لندن، إن الأدلة التي تم جمعها من أجل سوريا يمكن أن تكون قوية، تقريبًا كتلك المستخدمة في محاكمات "نورمبرغ" بعد الحرب العالمية الثانية.

وأضاف أن المشكلة "ليست في الآلية المستخدمة لتحقيق المساءلة، وإنما كيف يمكنك فعلًا الوصول إلى الأشخاص الذين تريد ملاحقتهم".

وقال أليكس وايتينغ، أستاذ في جامعة هارفارد، إن المساءلة مسألة سياسية، ولا تحتل سوريا حتى الآن أولوية في السياسة الدولية، على الرغم من المفاجأة التي عاشها العالم، منذ الهجوم الكيماوي الأخير.

وأضاف "فجأة هناك منعطف في العالم ضد الأسد، ما قد يؤدي الى دفعه من السلطة، وفتح مجال للمساءلة في المستقبل، لن أقول إنها على الأرجح، ولكن يبدو بالتأكيد أكثر احتمالًا".